الذهبي

308

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

السري بن عباد المروزي ، قال : أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ شَقِيقٍ الْبَلْخِيُّ الزاهد ، قال : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : لقيت العلماء ، وَأَخَذْتُ مِنْ آدَابِهِمْ ، لَقِيتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فَأَخَذْتُ لِبَاسَ الدُّونِ منه ، رأيت عليه إزارا قدر أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ، وَأَخَذْتُ الْخُشُوعَ مِنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ كُنَّا جُلُوسًا حَوْلَهُ لا يَعْرِفُ مَنْ يَمِينِهِ وَلا مَنْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ تَفَكُّرِ الآخِرَةِ ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّنْيَا عَمَلٌ ، وَأَخَذْتُ قَصْدَ الْمَعِيشَةِ مِنْ وَرْقَاءَ بْنِ عُمَرَ ، طَلَبْنَا مِنْهُ تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : بِشَرْطِ أَنْ نَتَغَدَّى وَنَتَعَشَّى عِنْدَهُ ، فَكَانَ يقدم إلينا خبر الشَّعِيرِ وَإِدَامَ الْخَلِّ وَالزَّيْتِ ، فَقَالَ : هَذَا لِمَنْ يَطْلُبُ الْفِرْدَوْسَ وَيَهْرُبُ مِنَ النَّارِ ، وَأَخَذْتُ الزُّهْدَ مِنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ ، طَلَبْتُ مِنْهُ كِتَابَ " الزُّهْدِ " ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنَ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا ، فَرَجَوْتُ بَرَكَةَ دُعَائِهِ ، وَدَخَلْتُ مَنْزِلَهُ فَإِذَا قُدُورٌ تَغْلِي بَيْنَ حَامِضٍ وَحُلْوٍ ، فَأَنْكَرْتُ ، فَقَالَ لِي خَادِمُهُ : لا عَلَيْكَ يَا خُرَاسَانِيُّ ، إِنَّهُ لم يأكل منه سَبْعِ سِنِينَ لَحْمًا ، وَإِنَّهُ لَيَتَّخِذُ كُلَّ يَوْمٍ تِسْعَ قُدُورٍ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ وَالْمَرْضَى وَمَنْ لا حِيلَةَ لَهُ . وَأَخَذْتُ التَّعَاوُنَ وَالتَّوَكُّلَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ ، كُنَّا عِنْدَهُ فِي رَمَضَانَ ، فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ سَلَّةُ تِينٍ ، فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَسَاكِينَ ، فَقُلْنَا : لَوْ تَدَعُ لَنَا شَيْئًا ، قَالَ : أَلَسْتُمْ صوام ؟ قُلْنا : بَلَى ، قَالَ : لَيْسَ لَكُمْ حَيَاءٌ ، لَيْسَ لَكُمْ رِعَةٌ ، أَمَا تَخَافُونَ اللَّهَ لِطُولِ أَمَلِكُمْ إِلَى الْعَشَاءِ ، وَسُوءِ ظَنِّكُمْ بِاللَّهِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ ، ثُمَّ قَالَ : ثِقُوا بِاللَّهِ ، أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ . وَأَخَذْتُ الْحَلالَ ، وَتَرْكَ الشُّبَهِ مِنْ وُهَيْبٍ الْمَكِّيِّ ، قَالَ : مُذْ خَرَجَ السُّودَانُ فَإِنِّي لَمْ آكُلْ مِنْ فَوَاكِهِ مَكَّةَ ، فَقِيلَ لَهُ : فَإِنَّكَ تَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ مِصْرَ وَهُوَ خَبِيثٌ ! قَالَ : عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لا آكُلَ طَعَامًا حَتَّى تَحِلَّ لِي الْمَيْتَةُ ، فَكَانَ يُجَوِّعُ نَفْسَهُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخْشَى ضَعْفَ الْعِبَادَةِ وَإِلا مَا أَكَلْتُهُ ، اللَّهُمَّ مَا كَانَ فِيهِ من خبيث فلا تؤاخذني بِهِ ، ثُمَّ يَبُلُّهُ بِالْمَاءِ فَيَأْكُلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ . قُلْتُ : قَدِ احْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ الْكُتُبِ الصِّحَاحِ ، وَكَانَ ثِقَةً حَافِظًا صَالِحًا خَاشِعًا مِنْ أَوْعِيَةِ الْحَدِيثِ ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : سنة إحدى .